الجاحظ
146
رسائل الجاحظ
ليكون سببا للاخبار عن الإحياء ، إذ كان الأول صغيرا في جنب الثاني ! فهذا يدل على أن أعلام الرسل عليهم الصلاة والسلام وآياتهم أحق بالظهور والشهرة والقهر للقلوب والأسماع من مخارجهم وشرائعهم ، بل قد نعلم أن موسى عليه السلام لم يذكر ولم يشهر إلا لأعاجيبه وآياته ، وكذلك عيسى عليه السلام . ولولا ذلك لما كانا إلا كغيرهما ممن لا يشعر بموته ولا مولده . وكيف تتقدم المعرفة بهما المعرفة بأعلامهما وأعاجيبهما وأنت لم تسمع بذكرهما قط دون ما ذكر من أعلامهما ! فإذا كان شأن الناس الاخبار عن كل عجيب وحكاية كل عظيم والإطراف بكل طريف وإيراد كل غريب من أمور دنياهم فما لا يمتنع في طبائعهم ولا يخرج من قوى الخليقة في البطش والحيلة أحق بالاخبار والإذاعة وبالاظهار والإفاضة . هذا على أن يترك الطباع وما تولد عليه والنفوس وما تنتج والعلل وما يسخر ، فكيف إن كان اللّه عز وجل قد خص أعلام أنبيائه وآيات رسله عليهم السلام من تهييج الناس على الاخبار عنها ومن تسخير الاسماع لحفظها بخاصة لم يجعلها لغيرها . [ 21 - اعتراض على اعتبار الأخبار حجة ] فصل منه : فإن قال قائل : إن الحجة لا تكون حجة حتى تعجز الخليقة وتخرج من حد الطاقة كإحياء الموتى والمشي على الماء وكفلق البحر وكاطعام الثمار في غير أوان الثمار وكانطاق السباع واشباع الكثير من القليل ، وكل ما كان جسما مخترعا وجرما مبتدعا ، وكالذي لا يجوز أن يتولاه إلا الخالق ولا يقدر عليه إلا اللّه عز وجل ذكره ، فأما الأخبار التي هي أفعال العباد وهم تولوها وبهم كانت وبقولهم حدثت فلا يجوز أن يكون حجة إذ كان لا حجة إلا ما لا يقدر عليه الخليقة وما لا يتوهم من جميع البرية ؟ قلنا : إنا لم نزعم أن الأخبار حجة فيحتجوا علينا بها ، وإنما زعمنا أن مجيئها حجة ، والمجيء ليس هو أمر يتكلفه الناس ويختارونه على غيره ، ولو كان كذلك لكانوا متى أرادوه فعلوه وتهيئوا له ولفعلوه في الباطل كما يجيء لهم في الحق . والمجيء أيضا ليس هو فعلا قائما فيستطيعوه أو يعجزوا عنه ، وإنما هو أن الانسان